المُعلقات ....كفاح المرأة المغربية بين قسوة المجتمع وبيروقراطية المحاكم
قائمة من الدعاوي القضائية يقرأها علينا صوت رزين يخرج من الراديو، إنها مجموعة من طلبات الطلاق التي تقدم بها نساء عديدات بعد أن هجرهن أزواجهن في ظروف غامضة واختفوا لسنوات عديدة. في حالة قبول الطلب، يصبح على الزوج لزاماً أن يمثل أمام المحكمة في خلال شهر واحد، وإذا لم يفعل اعتبر الزواج لاغياً والطلاق واقع. يطلعنا الفيلم على قصص ثلاثة نساء من بين هؤلاء، لطيفة، سعيدة وغيثة. ثلاثتهن اختفى أزواجهن وتركوا خلفهم أطفالهم من عقود طويلة. تكافح النساء الثلاث من أجل حقوقهن في الطلاق في مجتمع تسيطر عليه البنى الذكورية المدعومة بجهاز بيروقراطي عملاق.
تزيح المخرجة المغربية مريم عدو في فيلها "المُعلقات" طبقات من التجاهل والإهمال تغطي على واقع قاس تعيشه شريحة من النساء المغربيات اللواتي يمررن بحالة اجتماعية وقانونية يمكن وصفها بـ"بَيْن، بَيْن"، فهن لسن بمتزوجات ولا بمطلقات رسميا، أو هن كما يصفهن عنوان الوثائقي "مُعلّقات" بين الأرض والسماء.
تعيش تلك النساء أوضاعا اجتماعية واقتصادية شديدة الصعوبة بسبب ترك أزواجهن لهن من دون إشهار بطلاق، وتجسد حالتهم بدقة ثلاث نساء التقت بهن المخرجة في منطقة بني ملال، وظلت تسجل معاناتهن لسنوات قضينها في مراجعات رسمية لدوائر حكومية ومحاكم، طلبا لتحصيل قرار منها بطلاقهن رسميا من أزواجهن، وذلك بسبب غيابهم عن منازلهم وعوائلهم سنوات طويلة، من دون معرفة الأسباب والدوافع المؤدية لذلك، وحتى يتمكن بعدها من العيش بشكل سوي.
"النشرة القضائية".. نساء معلّقة مصائرهن بحكم إقرار الغائب
المدخل للفيلم يبدأ بصوت المذياع وهو يعلن أسماء سيدات متقدمات للحصول على حق الطلاق، بسبب غياب أزواجهن لمدد زمنية طويلة من دون معرفة الأسباب.
في برنامج "النشرة القضائية" ترد أيضا معلومات وأسماء السيدات اللواتي حصلن على حكم "إقرار الغائب"، ويعني تصديق المحكمة على طلب الطلاق بعد غياب الزوج وعدم حضوره للمحكمة خلال المدة التي حددتها له.
الدلالات الكامنة وراء تضمين المدخل للنشرة القضائية هو الإحاطة بوجود حالات كثيرة تنتظر من المحاكم البت بها. كما تظل النشرة موضع ترقب لكثير من النساء، ومن بينهن المغربيات الثلاث لطيفة منذر والسعدية الشرقاوي وغيثة ثابت. المكان الجامع لهن أغلب الوقت هو مكتب كاتب العدل، ففي سوق شعبي يقابل الكاتب السيدات المتقدمات بعرائض للمحاكم، يستمع لما يردن توصيله ويشرع بكتابته على آلة كاتبة قديمة، ومن خلال تثبيت الكاميرا داخل المكتب يمكن رصد أبعاد الشكاوى المقدمة، ومعرفة تفاصيل كل حالة ضمن سياقها الاجتماعي.
مواجهة الذكورية والبيروقراطية والأمية.. وضع المرأة المغربية
يداخل الوثائقي بين أوضاع النساء الثلاث، من دون أن يلغي خصوصية كل واحدة منهن، بل يترك للمتفرج حرية جمع المُشتركات بينها، والخروج بمحصلة تفيد في فهم أدق لوضع المرأة في المجتمع المغربي، بعيدا عن الكلام الرسمي حول القوانين الضامنة لحقوقها.
هذه واحدة من غايات صانعته التي تريد عرض مشهد موسع للمجتمع المغربي ونسائه من خلال الحالات المنشغلة بمتابعتها، والكاشفة ضمنا عن هيمنة ذكورية وبيروقراطية إدارية تُعَجز المرأة من نيل حق بسيط من حقوقها المثبتة في اللوائح القانونية الخاصة بتنظيم شؤون الأُسرة المغربية.
الأسئلة المتعلقة بمعاملات الطلاق التي يوجهها كاتب العدل للسيدات تجلي جوانب كثيرة منها. ففي كل مَشهد يجتمع الكاتب بالنساء الثلاث الطالبات مساعدته، يظهر جانبا إشكاليا عليهن مواجهته وحل تفاصيله المعقدة بأنفسهن.
رحلات متكررة تقود هؤلاء النساء للبحث عن عناوين أزواج تركوا منازلهم منذ عقود
يُصاحب المَشاهد المكررة هَمٌ إضافي آخر يتعلق بالوقت الذي تأخذه معاملاتهن في المحاكم، وعدد المرات التي تعاد إليهن من أجل استكمال جوانب ناقصة فيها. هذا الدوران في حلقة مفرغة متأتٍ بالأساس من البيروقراطية ومن جهل النساء بالقوانين وعدم قدرتهن على القراءة والكتابة، فالأُمية -كما يظهر في تفاصيل الوثائقي- هي أحد العوامل الرئيسية المعيقة لتواصلهن بشكل صحيح مع جهات قضائية تلتزم بروتين جامد وصياغات قانونية يصعب عليهن فهمها.
كل ذلك يتلازم مع حاجة النساء لتأمين عيش عوائلهن، ومواجهة صعوبات الحياة وحدهن من دون زوج ولا معيل، وفي ظل نظرة اجتماعية دونية للمرأة الوحيدة.
لقمة العيش الشريفة.. ملازمة الكاميرا في مواقع العمل
السياق الزمني والملازمة الطويلة للنساء الثلاث يؤشران على صعوبات تتعدى تأمين لقمة العيش، واحدة منها تتمثل في كراء المنازل، فأغلب أصحاب المنازل لا يرحبون بالنساء "المُعلقات"، ولا يفضلون تأجير منازلهم لواحدة منهن، ناهيك عن غلاء إيجاراتها التي ترهق مداخيل النساء القليلة.
يهتم الوثائقي بهذا الجانب من خلال تسجيل مقاطع من حياتهن في مواقع العمل الموسمية والمؤقتة، فأكثر الأعمال التي يعملن بها ذات طابع خدمي، مثل العمل كمساعِدات في المقاهي لتقديم الشاي والقهوة للزبائن، كما يقمن بإعداد الطعام في المناسبات الخاصة، مثل حفلات الزفاف وما شابه، إلى جانب الأعمال الحرفية كحياكة السجاجيد وغسل الملابس.
أحاديث تحمع المعلقات للتشاور عن صعوبات العيش وهَم المحاكم والتقاضي
المُلاحظ في سلوكهن هو حرصهن الشديد على تأمين لقمة عيش شريفة لأطفالهن، رغم كل المناخ السلبي المحيط بهن، كما أن هناك دوما روحا تضامنية سائدة بينهن، تظهر من خلال تقاربهن مع بعضهن.
يرصد الوثائقي الحوارات التي تجري بينهن، وكلها تركز على تجارب شخصية مريرة، مردّها هروب الأزواج من دون إعلان لأسباب هجرهم، وترك أطفالهم نهبا للمجهول، وعن اشتراطات رسمية يعجزن عن فهمها ويبذلن جهدا مضنيا لتحقيقها.
طلبات المحاكم التعجيزية.. حقوق المرأة المغربية في مهب الريح
في مكتب كاتب العدل تظهر تفاصيل تلك الاشتراطات القانونية التعجيزية، ففي واحدة منها تعيد المحكمة طلب الطلاق، لأن الزوجة لم تثبت عنوان زوجها القديم في دعواها، وفي أخرى لعدم تأكيد عنوان البيت الذي سكنوا فيه معا.
في حالات كثيرة ومن أجل تحصيل قرار بحالة الغياب، يطلب القاضي من الزوجة تدوين العنوان الحالي للزوج، وللحصول عليه لا بد من البحث عنه في كل أرجاء المنطقة، وفي الغالب لا تجد من يدلها عليه.
مطالب روتينية على النساء بذل جهد كبير لتأمينها، وفي كل خطوة محققة فيها يحسبن أنهن على وشك الحصول على ما يردن، لكنهن في أغلب الأحيان يجدن أنفسهن واقفات في نفس المكان الذي انطلقن منه.
ومن أغرب طلبات المحاكم التعجيزية في اشتراط إصدار حكم الطلاق حضور 12 شاهدا يشهدون في المحكمة بأن الزوج قد كان متزوجا بالمرأة شرعا، وأنه عاش معها ولديه أطفال منها، وأنه تركها دون سبب منذ مدة.
يوثق الفيلم تجربة تدل على صعوبة الطلب، حين يرفض أخو إحدى النساء التوقيع على معاملة أخته، لأنه لم يلتق بزوجها طيلة فترة مكوثه معها، ولم يزرهم في منزلهم وبالتالي لا يمكنه الشهادة زورا بكونه زوجا لها. وفي سياق الرصد تتضح استحالة إحضار 12 شاهدا خلال أربعة أيام من أجل تأكيد "موجب غياب"، وعليه يمكن للمرأة وقتها الحصول على حق الطلاق.
لطيفة منذر.. استراحة قلب أرهقته أعباء الحياة
الكفاح اليومي من أجل تأمين لقمة العيش في ظل شروط سكن بائسة وظروف عمل مؤقت غالبا ما يستنزف قوى المرأة، يضاف إليها مهام لها صلة بحالتهم الاجتماعية، مثل البحث عن شهود خلال فترة قصيرة، وما يرافقه من قلق وتوتر يترك أثره السلبي على أرواح النساء وأجسادهن.
- لم يتحمل قلب لطيفة منذر كل تلك الأعباء فضعف وتوقف، ومن خلال حديث والدتها أمام الكاميرا توثق صانعة الفيلم الوضع الصحي في مناطق الأرياف، وكيف تتشارك نواقصه مع ضغوطات الحياة واشتراطات المحاكم في إتعاب قلوب "المُعلقات".
السعدية الشرقاوي تأمل كل يوم في أن تسمع اسمها يذكر في النشرة القضائية وتنتهي معاناتها
موت لطيفة المؤلم يدفع المخرجة لإهداء فيلمها إليها، اعتزازا برفقة دامت سنوات، فقد كانت قريبة منها وتعرفت على ما تعانيه من أجل تحصيل حقها في عيش حياة سوية.
نشوة الانتصار.. نهاية مبهجة وتساؤلات بيروقراطية معلقة
لا يميل فيلم "المُعلّقات" إلى رسم صورة كاملة السوداوية لحالة النساء المغربيات، فثمة أفراح وأمل باقيان ما دامت الحياة باقية ومستمرة.
- يظهر هذا في متابعة حالة سعدية الشرقاوي التي عزمت على بناء بيت لها ولأطفالها، فالشروع في البناء وإكماله بما تحصل عليه من مردود عمل شاق يتكامل مع إعلان النشرة القضائية اسمها بين الأسماء اللواتي حصلن على إقرار "موجب غياب" الزوج، مما يعني انعتاقا من التزام اجتماعي انتهى عمليا منذ سنوات طويلة، لكن البيروقراطية الإدارية أبقته حاضرا.
- تظهر المرأة الثالثة في مَشهد لاحق وهي توكل محاميا ليتولى قضيتها بدلا من مراجعة كاتب العدل بنفسها، والبقاء من دون حراك وسط دوامة المراجعات المرهقة من دون نتيجة تُذكر.
تلك التطورات الدراماتيكية تُحيل المنجز الوثائقي إلى شهادة سينمائية عن واقع مغربي تعيش فيه النساء حالة من التمييز والتهميش التي تستدعي التفكير بالقوانين الخاصة بحماية المرأة والأسرة والعمل على تحسينها، من دون إنكار الجوانب الجيدة فيها.
كل ذلك يأتي في سياق اشتغال سينمائي صبور، وملازمة طويلة لبطلاته اللواتي تحركن أمام كاميرات المصورين محمد علي الصغراوي وعز الدين الإدريسي بعفوية، سهلت عليهما التقاط أدق تفاصيل عيشهن، مما منح المسار الدرامي صدقية تضع المنجز كله في مصاف الأفلام الطامحة لعرض الواقع، والأهم إشراك المتفرج في التفكير به واقتراح ما يراه مفيدا لتجاوز سلبياته.