صمت الزنازين حكاية سجينات في المغرب

 يستعد المخرج  والإعلامي والاكاديمي المغربي المقيم بألمانيا محمد نبيل، لطرح شريطه الوثائقي/التسجيلي الجديد" صمت الزنازين.. أو حكاية سجينات في المغرب" في القاعات السينمائية المغربية والأجنبية، وذلك في محاولة إبداعية جريئة من هذا المخرج، للبحث في كواليس عالم سري يحبل بكثير من الحكايا والقصص المؤلمة لنساء قادهن القدر المحتوم وراء أسوار أسمنتية باردة.



وكان المخرج محمد نبيل، الذي درس الفلسفة في الجامعة المغربية، رفقة فريق عمله، قد قدم شهر أكتوبر الماضي، العرض ما قبل الأول لهذا الشريط الذي أنتجته شركة "ميا باراديس للإنتاج، ومدته 65 دقيقة، أمام حشد من الإعلاميين والسينمائيين وعموم الجمهور، بقاعة سينما كلايك بالعاصمة الألمانية برلين، في انتظار برمجته قريبا بعدد من القاعات السينمائية والمهرجانات والتظاهرات السينمائية المغربية. هذا الفيلم يقدم أبطاله ليس فقط انطلاقا من الجرائم التي ارتكبوها بل من خلال قصصهم وكيف ينظرون إلى حقيقة السجون، ومن أجل التقليل من المسكوت عنه في الشريط أنجز المخرج مقابلات مع سجينات عشن تجربة السجن في الماضي، إنه يثير أسئلة حول نظام السجون والمجتمع، ويقدم صورا ملفتة عن المعتقلات وموظفي السجون، إنه حكاية إنسانية صريحة لنساء يتعايشن مع السجن، بكل آلامها ومواجعها وآمالها، وصورة مقربة عن واقع السجون النسائية المغربية، إن هذا الشريط الذي جاء بعد تجربتين سينمائيتين ناجحتين للمخرج حول المرأة كذلك، وهما"أحلام نساء" وجواهر الحزن"، يعد مشاهد معقدة لقضية مسكوت عنها، وواقع نساء يحاول المخرج رسم معالم حياتهن في قالب سينمائي مشوق لا يخلو من سحر سينمائي ممتع، وبهذه المناسبة أجرينا حوارا خاصا وحصريا للجزيرة الوثائقية مع المخرج محمد نبيل حول هذه التجربة السينمائية الجديدة..



س ـ لماذا اختيار السجينات كتيمة لشريط"صمت الزنازين" علما أنك جربت تجربة النساء في أعمال سابقة؟


ج ـ موضوع السجينات لا يخرج عن سؤال المرأة الذي أشتغل عليه منذ عقدين من الزمن، وشريط صمت الزنازين هو فيلمي الثاني في سياق ثلاثية عن المرأة المغربية، بعد تجربة جواهر الحزن دخلت مغامرة جديدة تتعلق بسؤال المرأة السجينة، وسأختم الثلاثية بفيلم عن المرأة المغربية، لم أقرر بعد موضوعه الأساسي، إنني بصدد البحث و التنقيب و التوثيق طبعا.


س ـ  أي التابوهات بالضبط الذي يحاول محمد نيبل الكشف عنها من خلال هذا الفيلم؟


ج ـ السجن في حد ذاته هو تابو مجتمعي أحاول تعريته بواسطة الصور. كتبت حكاية و حاولت نسج خيوط سردها. المرأة تابو مجتمعي في المغرب، وصمت الزنازين هو محاولة لفهم آليات عمل المحرم و علاقته بالمجتمع. أكبر تابو أشتغل عليه في الشريط هو كيفية الكلام عن الموضوع وإيجاد دلالات للصمت في الشريط . السجن و الحديث عنه مغامرة محفوفة بالمنزلقات.

س ـ  ترى ما الذي يحدث للسجينات المغربيات بالضبط… هل هذا واقع ام خيال؟.


ج ـ السجن وتجريد المراة من حريتها هو واقع طبعا. صمت الزنازين يحكي عن وقائع سجنية بلسان النساء. المتخيل في الشريط ليس نقيضا للحقيقة والواقع بل هو  مجموعة عناصر جمالية و فنية ذات دلالات ما في الابداع السينمائي تجتمع في الشريط، فانا لا أؤمن بتلك القطيعة الفاصلة بين العمل السينمائي التسجيلي الواقعي والمتخيل في السينما.

س ـ لماذا يصعب الكشف عن تابوهات نساء السجون المغربية؟


ج ـ السجن مسكوت عنه ومطوق بالمراقبة من طرف المؤسسات والمجتمع. السجن محاط بالسرية طبعا . فصعوبة السجن في المغرب تأتي في هذا السياق . الامر ينضاف اليه الموضوع النسائي. موضوع المرأة مفزع ومخيف، وبالتالي فان النبش في الحقيقة له وجوه في صمت الزنازين. الجمهور سيتعرف على جوانب مهمة من حياة السجينات في المغرب بل ستجعله في نظري المتواضع الصور ودلالاتها والحكي يطرح السؤال وهذا هدفي الفني الأسمى.


س ـ كيف تعاملت الكاميرا مع هذا الموضوع الصعب والمشاكس في ظل التستر على ما يخفيه صمت الجدران في السجن؟


ج ـ الكاميرا لعبة وصناعة وعدسة ماكرة، وهي رقصة صعبة لكنها ممكنة. المبدع هو الذي يعرف كيف يرقص بالصور ودلالاتها ويوصل المعاني بالرغم من أن طوق الحقيقة سميك، والتكتم عليها شديد. الحقيقة مخيفة وهذا ما تعلمته من دروس الفلسفة، فصمت الزنازين هو مشاهد ولقطات وإطارات للصور وعمل فريق تصوير الماني محترف ومتخصص . الكاميرا تحتاج إلى عين ويد وخلفيات وحس فني وجمالي . انا عثرت في فريقي الالماني عما ابحث عنه طبعا لتبليغ المعنى.


س ـ اذن بلغت المعنى من خلال هذا الفيلم، الذي نعتبره حكاية جريحة، أو تعبيرا عن واقع مر؟.



ج ـ المهم هو اننا قدمنا عملا سينمائيا يحمل الكثير من الدلالات والمعاني، وعلى المشاهد، ان يكتشف عالمه الخاص به طبعا من خلال الشريط، من خلال طرح الاسئلة، فصمت الزنازين حكاية عن السجن بصيغة المؤنث، والحكاية تجمع المتناقضات وهنا يكمن الرهان . الجرح دفين والتعبير عنه بلغة فيها بعد حزين و بعد فرح، كما الأغنية تعبير جميل عن شيء قبيح. أنا لجأت إلى استعمال لغة ما وكأننا أمام فصول رواية من أجل التعبير عن التدرج في قول الحقيقة التي تظل نسبية ..لنقل تدرج معنى السؤال من جبل الجليد إلى محطة تصير فيها الجروح لا تندمل.

مشاهد معقدة لقضية مسكوت عنها، وواقع نساء يحاول المخرج رسم معالم حياتهن في قالب سينمائي


 س ـ فأي سؤال فني، وأي رهان سينمائي وإبداعي يريد محمد نبيل ان يقدمه في الفيلم؟


ج ـ هي أسئلة كثيرة موحية، ومعبرة عن واقع وحالات وقضايا، وطبعا فالرهان الفني، هو رؤيتنا الفنية والجمالية، ووجهة نظرنا في سؤال المرأة والسجن . انه رهان جمالي أساسا . انا مهووس بالسؤال النسائي مثل هوسي بالسؤال الجمالي، والفن السابع متعة ووسيلة لطرح السؤال، بحثا عن الحقيقة.


س ـ حدثنا عن صعوبات التصوير وأخذ التصاريح، وهل صورت الذي أردت تصويره ام العكس؟


ج ـ انتظرت عامين فحصلت على ترخيص بالتصوير لمدة أسبوع . التصوير دام ستة ايام . جل ما اردته تم تصويره لكن لا أخفيك أن مدة التصوير كانت متعبة لقصرها ولا تساعد على انتاج شريط وثائقي مطول. لم اكن أتوقع ان الفيلم سوف لن تتجاوز مدته 65 دقيقة، كنت أراهن على 75 أو 80 دقيقة لأعرض تلك الحكاية بشكل كبير ومقنع.


 س ـ عموما فكل من شاهد الفيلم يجده مشوقا ومؤثرا وملهما اين يتجلى ذلك في نظرك؟


ج ـ الشريط ملهم للسؤال ومشوق في حكايته ومؤثر في أبعاده الدرامية . هذا ما أظنه رفقة فريقي الذي قام بإنتاج الشريط . لكن الجمهور والنقاد هم من سيحكم طبعا. النص السينمائي بعد إنتاجه يصبح ملكا للغير والآخر، انتهى عملي وبدأ عمل النقد والجمهور، فله الكلمة.


س ـ كيف تثير الأسئلة السينمائية وأنت تتطرق إلى نظام السجون والمجتمع وتنقل صورا مختلفة عن المعتقلات داخل السجن، وغيرها من المشاهد والقضايا التي يطرحها الفيلم؟


ج ـ السينما تطرح السؤال وتكتب الأفكار والحكايات بالصور وتفتح لنا أفقا مغايرا للكلام . السينما تساهم في بناء الحقيقة، لكن السينما لا تتحدث الا بلغة الجمال والفن والإبداع . الشريط مغامرة وتجربة وتراكم يساهم في نظري في بناء الخطاب حول السينما.

أنجز المخرج مقابلات مع سجينات عشن تجربة السجن في الماضي، إنه يثير أسئلة حول نظام السجون والمجتمع، ويقدم صورا ملفتة عن المعتقلات وموظفي السجون


 


س ـ هذا الشريط يعد تجربتك الثالثة بعد"أحلام نساء" و "جواهر الحزن"، ماالذي يميزها عن باقي التجارب الاخرى؟


ج ـ "صمت الزنازين" شريط فيه بناء فني وسينمائي جديد ورهان جمالي مميز يكسر تلك الصورة النمطية عن الفيلم التسجيلي الجاف والذي يتحدث عن الواقع كما يدعي البعض . في هذا الشريط أجمع عناصر الواقع والخيال في مغامرة سينمائية واحدة.


س ـ وكيف تقدم الإحساس باقتراف الجريمة والخطأ مثلا، والبعد الإنساني للمرأة في السجن من خلال الفيلم؟


ج ـ البعد الانساني للمرأة حاضر في الشريط . أنا لا انظر إلى الجريمة بل إلى العقاب وكيفية ممارسته . بل حتى الجريمة ممكن ان تكون محط سؤال . التزوير مثلا أو التعامل بشيكات دون رصيد الخ… جرائم لا تدخل الإنسان للسجن في المجتمعات التي خطت خطوات متقدمة في مجال العقوبات البديلة وفي مجال انسنة السجن . المرأة هي الحياة وعندما نعتقل المرأة فإننا نعتقل الحياة.


س ـ وهل يساهم الفيلم في تغيير الصورة النمطية عن السجن، في ظل التغيرات التي عرفتها المؤسسة السجنية المغربية في السنوات الاخيرة؟


ج ـ شريط "صمت الزنازين" يعبر بلغة السينما طبعا عن واقع المرأة في السجن المغربي في الألفية الثالثة . الشريط يساهم في نظري في تغيير طريقة طرح الاسئلة و بناء الصور النمطية . نعم انه يحاول زحزحة التابو وتكسير الصمت.


لا انفي دراستي للفلسفة وتدريسها للطلبة لبضع سنوات، لقد تركت الفصل ولكنني لم أترك الفلسفة . ما زلت اتعامل مع موضوعاتي السينمائية بنفس فلسفي خاص . اظن ان الابداع والعمق يساهم في ربط الجمهور بالسينما . تجربتي ما زالت في البداية، تجربة سؤالها قلق المرأة وتحمل هما جماليا ابداعيا يفكر طبعا في الجمهور المتفاعل مع لغة السينما.


س ـ محمد نبيل مخرج مغربي مقيم في ألمانيا هل حرية الإبداع في بلاد المهجر ساعدتك على الركوب على مثل هذه المواضيع لتحقيق مزيد من الشهرة والتألق والنجومية؟


ج ـ لا أرغب في الشهرة، رغبتي أن أعبر بلغة الجمال والفن السابع عن سؤال يؤرقني . الحرية وتشجيع المؤسسة والافراد والمجتمع المتنور الذي أعيش فيه كلها ساعدتني على تطوير مهاراتي، وعلى المضي بعيدا في طرح السؤال الجمالي والابداعي . المجتمع الالماني يتفاعل وفي هذا الامر نفس جديد للإبداع . أتمنى أن أجد نفس روح الإنصات في وطني المغربي حتى تكتمل الصورة.


Next Post Previous Post
No Comment
Add Comment
comment url